الشيخ سليمان الماحوزي البحراني

162

كتاب الأربعين

( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ( 1 ) . ومن تأمل هذه القصة بعين البصيرة لم يخالجه الشك ولم يعترضه الريب فيما حققناه ، ولم ينزل ( عليه السلام ) بالناس على غير ماء ولا كلاء وقت الهاجرة ويصعد على منبر من الرحال الا لأمر جليل القدر عظيم الشأن ، وهو نصبه للإمامة لا مجرد اظهار محبته ونصرته . وأما خامسا ، فلأن ما رووه في تلك الحالة من نزول قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) وقوله ( عليه السلام ) : الحمد لله على تمام النعمة وكمال الدين ورضا الرب برسالتي ، والولاية لعلي ، كما رواه ا بن المغازلي في كتابه ، وأبو القاسم الحسكاني في شواهده ، وأبو بكر بن مردويه الحافظ في مناقبه ، ورواه أصحابنا عن أئمتنا ( عليهم السلام ) يشهد بإرادة الإمامة والنص على الخلافة ، كما لا يخفى على المتأمل المنصف . وكذا ما رواه أبو الحسن الواحدي في كتابه أسباب النزول ، عن أبي سعيد الخدري ، وأبو إسحاق الثعلبي ، عن ابن عباس ، والعياشي عن ابن عباس ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، من نزول هذه الآية ( يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ) في علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يوم غدير خم ، وأمره ( صلى الله عليه وآله ) بنصبه له ( 2 ) .

--> ( 1 ) التوبة : 71 . ( 2 ) قال السيد المرتضى ( رحمه الله ) في الشافي ( 2 : 261 ) : أما الدلالة على صحة خبر الغدير ، فما يطالب بها الا متعنت لظهوره وانتشاره ، وحصول العلم لكل من سمع الاخبار به ، وما المطالب بتصحيح خبر الغدير والدلالة عليه الا كالمطالب بتصحيح غزوات النبي ( صلى الله عليه وآله ) الظاهرة المشهورة ، وأحواله المعروفة ، وحجة الوداع نفسها ، لأن ظهور الجميع وعموم العلم به بمنزلة واحدة . وبعد فان الشيعة قاطبة تنقله وتتواتر به ، وأكثر رواة أصحاب الحديث ترويه بالأسانيد المتصلة ، وجميع أصحاب السير ينقلونه عن أسلافهم خلفا عن سلف ، نقلا بغير اسناد مخصوص ، كما نقلوا الوقائع والحوادث الظاهرة . وقد أورده مصنفوا الحديث في جملة الصحيح ، فقد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار ، لأن الأخبار على ضربين ، أحدهما : لا يعتبر في نقله الأسانيد المتصلة كالخبر عن وقعة بدر وخيبر والجمل وصفين وما جرى مجرى ذلك من الأمور الظاهرة التي نقلها الناس قرنا بعد قرن بغير اسناد وطريق مخصوص . والضرب الاخر : يعتبر فيه اتصال الاسناد كأخبار الشريعة . وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان معا مع تفرقهما في غيره من الأخبار ، على أن ما اعتبر في نقله من أخبار الشريعة اتصال الأسانيد لو فتشت عن جميعه ، لم تجد رواية الا الآحاد ، وخبر الغدير قد رواه بالأسانيد الكثيرة المتصلة الجمع الكثير ، فمزيته ظاهرة . ومما يدل على صحة الخبر اطباق علماء الأمة على قبوله ، ولا شبهة فيما ادعيناه من الاطباق ، لأن الشيعة جعله الحجة في النص على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالإمامة ، ومخالفوا الشيعة تأولوه على خلاف الإمامة على اختلاف تأويلاتهم ، فمنهم من يقول : انه يقتضي كونه الأفضل . ومنهم من يقول : انه يقتضي موالاته على الظاهر والباطن . وآخرون يذهبون فيه إلى ولاء العتق ويجعلونه سببه ما وقع من زيد بن حارثة وابنه أسامة من المشاجرة ، إلى غير ذلك من ضروب التأويلات والاعتقادات . وما نعلم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر واعتقدت بطلانه ، وامتنعت من قبوله ، وما تجمع الأمة عليه لا يكون الا حقا عندنا وعند مخالفينا ، وان اختلفنا في العلة والاستدلال . انتهى كلامه زيد اكرامه ( منه ) .